محمد سعيد رمضان البوطي

90

فقه السيرة ( البوطي )

الطبيعي جدا أن تقود الحمية الجاهلية بني المطلب وبني هاشم إلى الذود عن حياة ابن عم لهم ، عندما تتهددها يد غريبة ويدنو إليها بالسوء شخص دخيل . والحمية الجاهلية إذ تدفع ذوي القرابة إلى مثل هذا التعصب ، لا تنظر إلى مبدأ ، ولا تتأثر في ذلك بحق أو بباطل ، وإنما هي العصبية ولا شيء غير العصبية ، ولذلك أمكن أن يجتمع في ذوي قرباه صلى اللّه عليه وسلم صفتان متناقضتان بحسب الظاهر : الاستكبار على دعوته والجحود بها ، والانتصار له ضد سائر المشركين من قريش . ومع ذلك ، فأي فائدة حققوها للنبي صلى اللّه عليه وسلم من وراء اعتصامهم معه ؟ لقد أوذوا كما أوذي هو وأصحابه ، ومضت قريش في قطيعتها للمسلمين بالضراوة والشراسة اللتين أرادتهما دون أن يخفف بنو هاشم وبنو المطلب من غلوائهما شيئا . والمهم أن تعلم بأن حماية أقارب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له ، لم تكن حماية للرسالة التي بعث بها ، وإنما كانت حماية لشخصه من الغريب ، وإذا أمكن أن تستغلّ هذه الحماية ، من قبل المسلمين ، وسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرّد لمكائدهم وعدوانهم ، فأنعم بذلك من جهد مشكور ، وسبيل يتنبهون إليها . أما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومعه أصحابه المؤمنون ، فما الذي كان يمسكهم على هذا الضيق الخانق ؟ . . وأي غاية كانوا يتأملونها من وراء الثبات على الشدة ؟ . . بماذا يجيب على هذا السؤال ، أولئك الذين يتأولون رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم وإيمان أصحابه بها على أنها ثورة يسار ضد يمين أي ثورة الفقراء المضطهدين ضد الأغنياء المترفين ؟ تصور هذه السلسلة التي استعرضناها ، من حلقات الإيذاء والتعذيب ، لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، ثم أجب على ضوئها : كيف يستقيم أن تكون دعوة الإسلام ثورة اقتصادية ألهبها الجوع وقادها الحقد على تجار مكة وأرباب الفعاليات الاقتصادية فيها ؟ . . لقد عرض المشركون على محمد صلى اللّه عليه وسلم الملك والثراء والزعامة ، على أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام ، فلماذا لم يرض عليه الصلاة والسلام بذلك ، ولماذا لم يثر عليه صحابه ولم يضغطوا عليه - وإن غايتهم الشبع بعد الجوع - كي يقبل بعرض قريش ؟ وهل يطمع أصحاب الثورة اليسارية بشيء أكثر من الحكم يكون في أيديهم والمال يكون في جيوبهم ؟ . ولقد قوطع محمد صلى اللّه عليه وسلم ومعه أصحابه المسلمون عن سبيل كل معايشة اقتصادية